السيد محمد تقي المدرسي

13

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

وحّمله المسؤولية حين قال له : بك أُثيب وبك أُعاقب . وقد فصّل قادة الإسلام القول في العقل ، كما فعل الإمام الكاظم في وصيته الحكيمة ، حيث بيّن فيها دوره في تلقّي الحقائق من الوحي ، وبيّن كيف أنّه يكتمل بالعلم والخُلُق الفاضل ، وأنّه حجة الله ورسوله في الباطن ، وأنّه لا يختلف عن الوحي شيئاً . وقد أخطأ بعض الفلاسفة حين زعموا أنّ العقل مجموعة تصورات أو أحكام قاطعة وبديهية عند الانسان ، ذلك لأنّ تلك الأحكام ما هي إلّا مكشوفات لنور العقل ، وإنّ نور العقل ، كما يكشفها ، يكشف غيرها . ويختلف العقل والعلم عن القطع ، حيث إنّ الثاني ليس سوى دفع الاحتمالات حتى لا يبقى إلّا واحد منها ؛ بينما العلم كشف الحقيقة للنفس حتى تطمئن إليها ! . وحجية العلم ذاتية ، بينما حجية القطع ليست ذاتية ، فإذا كان عن طريق عقلائي لم يردع عنه الشرع ، أخذنا به ، وإلّا فلا . والعقل قد يغطُّ في سبات ، وعلاجه إيقاظه بإثارته . وقد ينكسف شعاعه بسُحب الهوى ، فلا بدّ من ردع النفس عن اتباع الهوى وشحذ عزيمتها لمواجهة الأهواء . . وقد تختلط وساوس الشيطان ، وهواجس النفس وتسوّلاتها ، بالعقل وأحكامه ، فلا بدّ من تجلية العقل بالتذكرة بها ، وببيان شواهده ، وجنوده ، وصفات الذين يتحلَّون به ، وكذلك ببيان الجهل ، وشواهده ، وجنوده ، وصفات المبتلين به . وسوف نناقش طويلًا الآراء التي ذكرت في موضوع علاقة الوحي بالشرع ، وهل أنّ العقل يستقلّ بفَهْم الأحكام الشرعية ؟ . وصفوة القول ، تتلخّص في أمور : 1 - إنّ القطع الذي اعتبره البعض حجّة ذاتية ليس كذلك ، إنّما هو قد يكون طريقاً عقلائياً ، وأنه ردعت عن بعض مفرداته الشريعة الغراء ، كقطع القطاع ، والقطع الذي مصدره القياسات الباطلة أو الجفر والرمل وسائر المصادر غير المعترف بها عند العقلاء . وهذا رأي كبار فقهائنا ( قدّس الله أرواحهم ) . 2 - وإنّ العقل يستقلُّ بمعرفة الحسن والقبح ، ولكنه بحاجة إلى الوحي ، لتزكية النفس ، وتنمية الإرادة فيها ، وتجلية العقل وإثارة دفائنه .